كريم نجيب الأغر
26
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
ثقافة العالم القديم والحديث في علم الأجنة لا بد ابتداء من تعريف كلمة « جنين » ، فمدار البحث عليها . وبداية فإن كلمة « جنين » تشير إلى الولد الذي يتخلق في البطن . جاء في القاموس المحيط : « الجنين : الولد في البطن ج : أجنّة وأجنن » « 1 » . وفي كلام العرب إذا اجتمعت الجيم والنون في كلمة ، وتقدمت الجيم ، أفادت الكلمة معنى الخفاء والستر « 2 » . ولذلك سمّي الولد الذي في البطن جنينا لأنه مستور عن الأعين . جاء في القاموس المحيط : « وكلّ مستور وجنّ في الرّحم يجنّ جنّا : استتر ، وأجنّته الحامل . . . وعليه جنّا وجنونا وأجنّه : ستره ، وكلّ ما ستر عنك فقد جنّ عنك » « 3 » . وبالتالي فإن هذه التسمية تعبّر عن مدى جهل العرب بحال الجنين الذي يتخلق في رحم المرأة . ومن المهم إلقاء نظرة على تاريخ علم الأجنّة ومن ثمّ متابعة الكشوفات المتلاحقة في هذا المجال ، كي ندرك حقيقة المراحل التي مرّ بها علم الأجنّة ، وما اكتنف هذا العلم من جهل وغموض عند سائر الشعوب - غير العربية - لندرك مدى حجم الصعوبة التي كانت تحول دون معرفة العلماء الكونيين عما كان يجري في الرحم ، كما تشير إليه كلمة « جنين » عند العرب . ولا يخفى عليك صعوبة الطريق الموصلة إلى حقيقة عالم الأرحام ، وما يجري فيه . وبالإجمال : يمكننا تقسيم تاريخ علم الأجنّة إلى ثلاث مراحل أساسية :
--> ( 1 ) القاموس المحيط لمجد الدين محمد ، باب النون ، فصل الجيم ، ص 1532 . ( 2 ) ونعطي أمثلة لهذه القاعدة : فمن ذلك الجنّة ؛ لأنها محجوبة عن الأعين ، والجنّ ؛ لأنهم مستورون عن أعين الناس ، والجنون ؛ لأنه تغطية لنور العقل ، ومن الشواهد القرآنية لهذه القاعدة : كلمة « جنّ » التي جاءت في الآية : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ [ الأنعام : 76 ] ، تشير إلى سترة الليل لسيدنا إبراهيم عليه السّلام ، جاء في تفسير ابن كثير - ( ج 2 / ص 151 ) : « فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ : أي تغشاه وستره » ، وكلمة « جنّة » التي جاءت في الآية : اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [ المنافقون : 2 ] ، تشير إلى تستر المنافقين عن المؤمنين بالأيمان الكاذبة التي يسترون بها حقيقتهم ، جاء في تفسير القرطبي ، ( ج 1 / ص 123 ) : « أي سترة » . ( 3 ) القاموس المحيط لمجد الدين محمد ، باب النون ، فصل الجيم ، ص 1532 .